** احبها... و لكن **
هل تحبها..؟
نعم.. بالطبع احبها.
كيف لا احبها و هي تجري في عروقي مجري الدم..
لازلت اتذكر هذا اليوم..
كنا صغارا..
وقعت عيني عليها فاهتز جسدي هزة اقوي من الهزة التي شعرت بها في زلزال 1992.
لمعت عيناي و اختفي قاموس الكلمات من عقلي، لم املك السيطرة علي جسدي..
قاومت
و قاومت
و قاومت
حتي استطعت اخيرا ان ابتسم في وجهها المشرق البرئ..
شعرت كأني اقرأ ما يدور في عقلها، لقد تيبست هي الاخري و كلمة واحدة تدور في مدار افكارها.. " احبك"..
هذا شيئ يشعر به فقط من وقع في الحب الحقيقي الذي يفتح بين الحبيبين قناة اتصال مشفرة غير مرئية.
كنا صغارا، فبالطبع لم احبها من اجل جسدها، بل احببتها لسبب اخر تماما..
احببتها لاني شعرت انها الكائن الوحيد الذي يمكنني ان افرح امامه، ابكي امامه، اشكو له ما اعانيه دون خجل او ارتباك.
احببتها لانني رأيت في عيناها طيبة و حنو و احتواء يتساوي مع حنان الام المفقود..
كانت خضراء العينين..
كنت كلما نظرت لعيناها اشعر بأنني في جنة محاطا بالورود و الرياحين و الخضرة يحاوطني انهار من خمر و عسل تبتسم لي..
نعم شعرت بأن الانهار تبتسم لي و الزهور تعزف ارق الالحان عندما يلامسها النسيم.
كان شعرها بلون الذهب الخالص الصافي الذي يجعلك تشهق شهقة العطشان في الصحراء الذي وجد ينبوع من الماء البارد.
نعم احبها..
ثم ابتعدنا..
فرقت بيننا الدراسة
و الايام..
و السنين..
حتي رأيتها في المرحلة الجامعية..
لم اراها كشابة جميلة مكتملة النمو..
بل رأيت الطفلة الجميلة التي شاركتني ضحكاتي ايام الصبا..
اهتز جسدي هزة شديدة اقوي من الهزة السابقة..
سري بداخلي تيار كهربائي شديد القوة..
انطلقت الافكار في رأسي تعدو بسرعة الضوء لاعادة ترتيب خطة مستقبلي وفقا للتطورات الاخيرة..
لقد كانت هي الحلقة المفقوده في سلسلة حياتي..
كانت هي العنصر المفقود لتتوازن معادلة حياتي..
صار عقلي يصرخ مثل ارشميدس..
وجدتها..
وجدتها..
وجدتها..
صرت اراها كل يوم..
اراها بالنهار..
و احلم بها ليلا..
عادت لي روحي التي كانت بالكاد تلامس جسدي كي يراني الناس حيا اتحرك..
صرت استمتع بطعم الطعام..
تحول الماء في فمي الي عسل مصفي..
صرت التهم الكتب التهاما من اجلها..
اتعجل مرور الايام كي اكون معها للأبد..
تفوقت في دراستي الجامعية بشكل شعرت انا نفسي بغرابته..
كان حبنا طاهرا نقيا لا تشوبه رغبة او شهوة او طمع..
كانت ارواحنا ارواح طفلين تسكن اجساد شابة.
كنت أمر يوميا من تحت نافذة بيتها..
كل يوم.. تحت الشمس الحارقة، تحت الامطار المنهمرة..
كنت كالمدمن الذي لا يستطيع ان يتحرك دون جرعة من المخدر..
و كان مخدري الوحيد هو رؤيتها التي تشحن جسدي بطاقة اعجز عن وصفها..
كانت هي حبي الوحيد..
لا تصدق من يقول ان الحب يأتي مرات و مرات، ان الحب لا يأتي الا مرة واحدة فاذا ضاع منك فلن تجد له شبيها..
مرت سنوات الدراسة الجامعية و اقتربنا من تحقيق حلمنا..
و فجأة..
ظهرت الشياطين التي كانت تراقب حبنا الطاهر لتطاردنا و تعوق دخولنا الجنة..
و تفرقنا دون إرادة منا كفراق آدم و حواء عند هبوطهما الي الارض..
بكيت كما لم ابكي من قبل..
ليس عيبا ان تبكي لضياع حلمك، فما بالك بالبكاء عن روحك التي انتزعت و قلبك الذي يتمزق..
لم اتحمل ان اعيش في نفس المدينة التي جمعت احلامنا و يذكرني كل شارع من شوارعها بذكري جميلة جمعتنا.
ابتعدت..
و ابتعدت..
و ابتعدت..
التحقت بوظيفة يحلم بها الكثيرين.. و لم افرح..
صار في يدي المال.. و لم اسعد.
تجمع حولي الكثير من الاصدقاء و المحبين.. و كنت رغم ذلك وحيدا..
لم يعد هناك في الدنيا ما يبهجني.. لا الاموال و لا النساء ولا الممتلكات..
و عدت..
عدت الي المدينة التي جمعتنا، كنت اظن ان التجديد في شوارعها و ميادينها ستنتقل عدواه الي ذكرياتي..
و تمر الأيام و السنين و مازلت اتذكرها، و مع كل ذكري يهتز كياني..
و لكن الاهتزازات تضعف مرة بعد مرة منذرة اياي باقتراب نهايتي..
نعم.. بدأت اشعر بضعف جسدي و غزو الشيب لشعري.
امر طبيعي ان تنهار آلتي البشرية في النهاية طالما هي بعيدة عن مصدر غذاء الروح..
مهما تكلمت فلن تسعفني الكلمات..
اشعر بالنهاية تقترب..
حزن آدم عليه السلام وقت طرده من الجنة و هبوطه علي الارض و هو يري نظرات الشفقة في اعين الملائكة..
و نظرات الشماته في اعين الشياطين..
نعم احبها..
احبها..
احبها.. و لكن "للقدر رأي آخر".
.
بقلم :عماد علام.